الخطيب البغدادي

304

تاريخ بغداد

الربيع بن سليمان يقول : كنت عند الشافعي أنا والمزني وأبو يعقوب البويطي ، فنظر إلينا فقال لي : أنت تموت في الحديث ، وقال للمزني : هذا لو ناظره الشيطان قطعه - أو جدله - وقال للبويطي : أنت تموت في الحديد . قال الربيع : فدخلت على البويطي أيام المحنة فرأيته مقيدا إلى أنصاف ساقيه ، مغلولة يده إلى عنقه . أخبرنا الخلال ، أخبرنا عبيد الله بن عثمان بن يحيى الدقاق قال : حدثني أحمد بن قاج - من لفظه - حدثنا أبو عبد الله محمد بن حمدان بن سفيان الرازي الطرائفي قال : سمعت الربيع بن سليمان المرادي يقول : كنا جلوسا بين يدي الشافعي : أنا ، والبويطي ، والمزني ، فنظر إلي البويطي فقال : ترون هذا ؟ إنه لن يموت إلا في حديده ، ثم نظر إلي المزني فقال : ترون هذا ؟ أما أنه سيأتي عليه زمان لا يفسر شيئا فيخطئه ، ثم نظر إلي فقال : أما إنه ما في القوم أحد أنفع لي منه ، ولوددت أني حشوته العلم حشوا . حدثنا أبو منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز - إملاء بهمذان - حدثنا عبد الرحمن بن أحمد الأنماطي ، حدثنا محمد بن حمدان الطرائفي ، حدثنا الربيع بن سليمان قال : رأيت البويطي على بغل في عنقه غل ، وفي رجليه قيد ، وبين الغل والقيد سلسلة حديد ، فيها طوبة وزنها أربعون رطلا ، وهو يقول : إنما خلق الله الخلق بكن ، فإذا كانت كن مخلوقه فكانت مخلوقا خلق مخلوقا ، فوالله لأموتن في حديدي هذا حتى يأتي من بعدي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم ، ولئن أدخلت إليه لأصدقنه - يعني الواثق - قال الربيع : وكتب إلي من السجن أنه ليأتي علي أوقات ما أحسن بالحديد أنه على بدني حتى تمسه يدي فإذا قرأت كتابي هذا فأحسن خلقك مع أهل حلقتك ، واستوص بالغرباء خاصة خيرا ، فكثيرا ما كنت أسمع الشافعي يتمثل بهذا البيت : أهين لهم نفسي لكي يكرمونها * ولا تكرم النفس التي لا تهينها أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحرشي ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم قال : سمعت الربيع بن سليمان يقول : كتب إلى أبو يعقوب البويطي أن أصبر نفسي للغرباء ، وأظنك خلقك لأهل حلقتك فإني لم أزل أسمع الشافعي يقول ، يكثر أن يتمثل بهذا البيت : أهين لهم نفسي لكي يكرمونها * ولن تكرم النفس التي لا تهينها